السيد الطباطبائي

26

تفسير الميزان

( بيان ) احتجاجات يلقنها الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليرد بها ما قالوه في كتاب الله أو في آلهتهم أو اقترحوه في نزول الآية . قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) هؤلاء المذكورون في الآية كانوا قوما وثنيين يقدسون الأصنام ويعبدونها ، ومن سننهم التوغل في المظالم والآثام واقتراف المعاصي ، والقرآن ينهى عن ذلك كله ، ويدعو إلى توحيد الله تعالى ورفض الشركاء ، وعبادة الله مع التنزه عن الظلم والفسق واتباع الشهوات . ومن المعلوم أن كتابا هذا شأنه إذا تليت آياته على قوم ذلك شأنهم لم يكن ليوافق ما تهواه أنفسهم بما يشتمل عليه من الدعوة المخالفة فلو قالوا : ائت بقرآن غير هذا دل على أنهم يقترحون قرآنا لا يشتمل على ما يشتمل عليه هذا القرآن من الدعوة إلى رفض الشركاء واتقاء الفحشاء والمنكر ، وإن قالوا : بدل القرآن كان مرادهم تبديل ما يخالف آراءهم من آياته إلى ما يوافقها حتى يقع منهم موقع القبول ، وذلك كالشاعر ينشد من شعره أو القاص يقص القصة فلا تستحسنه طباع السامعين فيقولون : ائت بغيره أو بدله ، وفي ذلك تنزيل القرآن أنزل مراتب الكلام وهو لهو الحديث الذي إنما يلقى لتلهو به نفس سامعه وتنشط به عواطفه ثم لا يستطيبه السامع فيقول : ائت بغير هذا أو بدله . فبذلك يظهر أن قولهم إذا تليت عليهم آيات القرآن : ( ائت بقرآن غير هذا ) يريدون به قرآنا لا يشتمل من المعارف على ما يتضمنه هذا القرآن بأن يترك هذا ويؤتى بذاك ، وقولهم : ( أو بدله ) أن يغير ما فيه من المعارف المخالفة لأهوائهم إلى معان يوافقها مع حفظ أصله فهذا هو الفرق بين الاتيان بغيره وبين تبديله . فما قيل : إن الفرق بينهما أن الاتيان بغيره قد يكون معه وتبديله لا يكون